الواصل بالله لا يمر عبثًا… بل يترك خلفه نفحات من الخير
في أماكن الحرمين الشريفين، تسقط كل الحسابات البشرية، وتذوب فكرة الصدفة كما نعرفها. هناك، لا لقاء يتم عبثًا، ولا طريق يُفتح دون إذن، ولا قلب يُطرق بابه إلا بنداء من المولى سبحانه وتعالى. فإذا أذن الله، تحقق الأمر في لحظته، وإن بدا لنا بلا ترتيب أو موعد.
وسط هذا الزحام الهائل، وملايين الجنسيات، واختلاف اللغات واللهجات، تتجلى حكمة الله في أن يجمع بين قلوب لم ترتب للقاء، ولم تضرب موعدًا، لكن الصدفة — أو لِنقل الأقدار — تلعب دورها حين ينادي المولى من أراد زيارته. فليس كل من جاء جاء بمحض إرادته، بل هناك من دُعي، فلبّى النداء.
في رحاب البيت الحرام، فرجت بي أقدار الله بأناس لا يعرفونني معرفة شخصية، بعضهم لم يرني إلا عبر الإنترنت، ومع ذلك كان هدفهم الوصول إليّ من أجل السؤال وتقديم أي مساعدة دون انتظار مقابل. يعملون في مكة المكرمة، لكن قلوبهم كانت أوسع من المكان، وأنقى من الوصف. موقف ملأ قلبي فرحًا، وأثلج صدري سعادة، وأكد لي أن الخير لا يزال حاضرًا، وأن الأصول لا تموت، وأن من يعمل لله، يُسخّر الله له القلوب.
ولم تتوقف الروحانيات عند حدود الحرم فقط، بل امتدت حتى إلى مقر الإقامة. فحتى الفندق الذي أقمت فيه، كان له نصيب من السكينة، إذ يعود وقفه إلى أحد بيوت آلجاد، ما منح المكان روحًا خاصة تسحب ضجيج النفس وتهدّئ القلب. فالوصل الروحاني بين الله وعباده المخلصين هو الأساس الحقيقي للراحة النفسية، وكل مكان بُني على نية خالصة، يظل يحمل أثرها مهما تعاقبت الأزمنة.
وفجأة، ودون أي ترتيب، أصادف أحد النواب في محيط البيت الحرام. لقاء لم يُخطط له، لكنه كان رسالة واضحة بأن ترتيب المولى دائمًا أجمل مما نتصور. فالله يظهر لك ما كان خفيًا، وينوّر بصيرتك فيما لم تكن تعلمه، ويكشف خبايا مهمة لتستعيد النفس موضعها الصحيح.
وكانت من أصدق هذه اللقاءات، لقائي بالأستاذ أحمد الشرقاوي، نائب زفتي والسنطة. بداية التعارف بيننا لم تكن مريحة، وكان محل انتقاد وتساؤل، لكن بعد إجراء عملية جراحية لي، بادر وكشف عن معدن مختلف؛ رجل يعمل مع الله، ويترك الناس للناس. وأخيرًا جمعنا بيت الله الحرام، والقهوة العربية، وصلاة العصر من مكة المكرمة، لقاء بسيط في شكله، عميق في معناه.
والخلاصة
لا تنتقل قدم عن قدم، ولا يتم لقاء، ولا تُفتح أبواب القلوب، إلا بإذن الله.
شكرًا ربنا،
وشكرًا مكة،
وشكرًا لكل من أكرمني بالسؤال، وبالتواصل، وبالحب الخالص.
وشكرًا لكل لـ ال عمار الذي نالو شرف عمارة المكان وخدمة ضيوف الرحمن، دمتم أنقياء، ودام عطاؤكم خالصًا لوجه الله.