سامر شقير يكتب: السينما السعودية صناعة جديدة تجذب المليارات
لم تعد السينما السعودية مجرد قطاع ترفيهي يستفيد من اتساع القوة الشرائية وتزايد أعداد دور العرض، بل بدأت تتحول إلى صناعة اقتصادية قادرة على إنتاج المحتوى المحلي وجذب رؤوس الأموال وبناء مصادر جديدة للقيمة المضافة. فمع اقتراب إيرادات شباك التذاكر السعودي من 245 مليون دولار خلال عام 2025، وصعود الأفلام المحلية إلى صدارة محركات النمو، تدخل المملكة مرحلة جديدة قد تعيد رسم خريطة الاستثمار في قطاع الترفيه.
يرى رائد الاستثمار سامر شقير أن التحول الأهم لا يكمن في نمو الإيرادات وحده، وإنما في انتقال السوق من التوسع الكمي في القاعات والجمهور إلى بناء ميزة تنافسية قائمة على المحتوى والإنتاج المحلي، بما يفتح المجال أمام المستثمرين المؤسسيين للاستفادة من فرص الاقتصاد غير النفطي.
ومنذ إعادة افتتاح دور العرض السينمائي عام 2018، ركزت الاستثمارات على بناء البنية التحتية واستقطاب المشغلين الدوليين. لكن التقرير السنوي لصناعة الأفلام السعودية لعام 2025، الصادر عن هيئة الأفلام، يكشف عن تطور نوعي؛ إذ بلغت إيرادات شباك التذاكر نحو 921 مليون ريال، بزيادة تقارب 9% عن العام السابق، وارتفعت مبيعات التذاكر إلى أعلى مستوياتها منذ 2020.
والأكثر أهمية أن إيرادات الأفلام السعودية قفزت بنسبة 117% لتصل إلى نحو 123 مليون ريال، بما يعادل 32.8 مليون دولار، لترتفع حصتها السوقية إلى أكثر من 13% بعدما كانت أقل من 7%. وهذا يعني أن الإنتاج المحلي لم يعد نشاطا هامشيا، بل أصبح أحد المحركات الرئيسية لنمو السوق.
**رؤية 2030 وبناء صناعة إنتاجية**
يؤكد سامر شقير أن هذه المؤشرات تعكس انتقالا تدريجيا ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، من توسيع قاعدة الاستهلاك إلى بناء سلسلة قيمة إنتاجية متكاملة.
فقد بلغ الإنفاق الإنتاجي التقديري للقطاع الخاص وشركات الإنتاج نحو 1.3 مليار ريال، فيما دعم برنامج الحوافز 71 عملا سينمائيا وتلفزيونيا جرى تصويرها في أكثر من خمس مناطق. كما وصلت مساحة الاستوديوهات إلى نحو 118 ألف متر مربع، بعد افتتاح استوديوهات جاكس في الدرعية.
ويرى رائد الاستثمار سامر شقير أن هذه الاستثمارات في البنية التحتية لن تحقق كامل عوائدها إلا بقدرتها على إنتاج أعمال تنافسية ومستدامة.
وفي المقابل، انخفض متوسط سعر التذكرة إلى نحو 49 ريالا مقارنة بمستويات أعلى في السنوات السابقة، وهو ما يعكس اشتداد المنافسة بين المشغلين وتحسن إمكانية الوصول إلى الجمهور، لكنه يفرض تحديا يتعلق بهوامش الربحية، ما لم يصاحبه ارتفاع الإشغال وتنوع الإيرادات من المحتوى المحلي والشراكات مع منصات البث.
**الأفلام السعودية تعيد توجيه رأس المال**
وتكشف قائمة الأعمال الأكثر نجاحا عن مؤشرات أولية لنضج السوق، بعدما تصدر فيلم الزرفة الأفلام السعودية واحتل المركز الثالث بين جميع الأفلام المعروضة، إلى جانب أعمال مثل شباب البومب 2 وهوبال.
ويلفت سامر شقير إلى أن نجاح هوبال يمثل مؤشرا مهما على قدرة الدراما المرتبطة بالبيئة المحلية على الوصول إلى جمهور واسع، عندما تتوافر عناصر التسويق والتوزيع المناسبة، وهو ما يفتح المجال أمام تنويع محافظ الإنتاج وتقليل الاعتماد على الكوميديا وحدها.
واستنادا إلى مفهوم الميزة التنافسية الذي طرحه مايكل بورتر في كتابه The Competitive Advantage of Nations، يرى رائد الاستثمار سامر شقير أن السينما السعودية تتحرك تدريجيا من سوق استهلاكية كبيرة إلى قاعدة إنتاج ناشئة، خصوصا أن الحصة السوقية للأفلام المحلية تجاوزت 13% رغم محدودية نسبتها من إجمالي الأعمال المعروضة.
ومن هنا، تبرز أهمية توجيه الاستثمارات نحو شركات تطوير المحتوى والإنتاج والتوزيع وامتلاك حقوق الملكية الفكرية، بدلا من التركيز الحصري على العقارات الترفيهية وصالات العرض. كما أن استفادة أكثر من 4700 متدرب ومتدربة من برامج هيئة الأفلام تعزز قاعدة المواهب المحلية اللازمة لاستدامة الصناعة.
**المخاطر والفرص الاستثمارية**
ويحذر سامر شقير من أن الاعتماد المفرط على الحوافز والدعم الحكومي قد يحد من استدامة النمو، إذا لم تتمكن الشركات من بناء نماذج أعمال تحقق عوائد تجارية مستقلة.
كما أن نمو 2025، رغم إيجابيته، ظل أقل قليلا من مستوى 2023، بما يعكس حساسية السوق لتقلبات المعروض الأجنبي، خصوصا الأميركي والمصري. وقد يؤدي التوسع السريع في الاستوديوهات والطاقة الإنتاجية إلى فائض في القدرات إذا لم يتزامن مع نمو الطلب المحلي والإقليمي.
وفي المقابل، تبرز فرص التوزيع الدولي، مع وصول بعض الأعمال إلى مهرجانات سينمائية مثل فينيسيا، بما يعزز السمعة ويفتح قنوات للتمويل والإنتاج المشترك. كما توفر منصات البث الإقليمية، وفي مقدمتها شاهد، مصادر إيرادات إضافية تقلل الاعتماد على شباك التذاكر وحده.
ويشير رائد الاستثمار سامر شقير إلى أن النجاح في القطاعات الناشئة يتطلب الصبر والتمييز بين النمو المؤقت والتحولات الهيكلية، وهي الفكرة التي تناولها مورغان هاوسل في كتابه The Psychology of Money.
**الاقتصاد الخليجي ومستقبل السينما السعودية**
ويرتبط صعود السينما السعودية باتجاه أوسع لتنويع الاقتصادات الخليجية عبر الصناعات الإبداعية، حيث يتحول الترفيه من نشاط استهلاكي إلى قطاع منتج للوظائف والاستثمارات والقيمة المضافة، ضمن برنامج جودة الحياة ورؤية 2030.
ويرجح سامر شقير أن يجذب هذا التحول صناديق استثمار إقليمية ودولية تبحث عن فرص نمو خارج القطاعات النفطية، شريطة توجيه رؤوس الأموال نحو الشركات القابلة للتوسع وحقوق الملكية الفكرية، وليس فقط المشروعات كثيفة الإنفاق الرأسمالي.
وفي السيناريوهات المقبلة، فإن استمرار ارتفاع حصة المحتوى المحلي وتنوع الأعمال قد يدفع مزيدا من الاستثمارات نحو شركات الإنتاج والتطوير والموزعين الإقليميين، بينما سيظل الاعتماد على عدد محدود من الأفلام الناجحة أو الحوافز الحكومية مصدرا للتقلبات.
ويختتم رائد الاستثمار سامر شقير رؤيته بالتأكيد على أن صعود الفيلم السعودي خلال 2025 يمثل إشارة أولية إلى تحول تخصيص رأس المال في قطاع الترفيه نحو القيمة المضافة الحقيقية، وأن الاستثمار الأكثر ذكاء سيكون في سلسلة القيمة الكاملة، من اكتشاف المواهب وتطوير المحتوى إلى الإنتاج والتوزيع الرقمي، مع الحفاظ على هامش أمان في مواجهة المخاطر التنفيذية والتنظيمية. فالاختبار الحقيقي أمام الاقتصاد السعودي لم يعد بناء سوق ترفيهية كبيرة، بل تحويلها إلى صناعة إنتاجية قادرة على المنافسة إقليميا ودوليا.