سامر شقير: انهيار ويل يكشف موت الولاء المؤسسي ويعيد تعريف مخاطر الاستثمار في المواهب
لم تعد القوة المالية والسمعة التاريخية كافيتين لحماية المؤسسات الكبرى من الانهيار، بعدما أصبحت المواهب الفائقة قادرة على نقل العملاء والإيرادات معها بمجرد الانتقال إلى منافس جديد.
وفي هذا السياق، يرى سامر شقير، رائد الاستثمار، أن انهيار شركة ويل غوتشال آند مانغز الأمريكية، بعد نحو 95 عامًا من العمل في قطاع الخدمات القانونية، يكشف تحولًا هيكليًّا في مفهوم الولاء المؤسسي ومخاطر الاستثمار في الشركات التي تعتمد بصورة أساسية على رأس المال البشري.
وقال سامر شقير: إن ما حدث مع ويل يتجاوز حدود التعثر الإداري أو المالي التقليدي، ويعكس هشاشة نموذج الشراكة عندما تصبح العلاقات المهنية والعملاء مرتبطين بالأفراد أكثر من ارتباطهم بالمؤسسة نفسها.
وأوضح أن مغادرة مجموعة من الشركاء الرئيسيين، بمن فيهم مايكل أيلو، رئيس قسم الشركات الذي انتقل إلى شركة كرافث مصطحبًا فريقه، ساهمت في تسارع موجة المغادرات، وصولًا إلى توصية الإدارة بالتصفية المنظمة.
وأشار إلى أن الشركة كانت تحقق إيرادات سنوية تتجاوز ملياري دولار وتضم نحو 1200 محام، وهو ما يوضح أن الحجم والإيرادات والسمعة لا توفر بالضرورة حماية كافية عندما تتركز العلاقات التجارية والخبرات الأساسية في أيدي عدد محدود من الشركاء.
وأكد سامر شقير أن هذه الظاهرة تشبه ما يعرف بـ«الجري على البنك»، إذ تؤدي مغادرة مجموعة من القيادات إلى إثارة مخاوف بقية الشركاء والعملاء، فتتسارع قرارات الخروج وتتراجع الإيرادات، في دائرة قد تهدد استمرارية المؤسسة بأكملها.
وأضاف أن سوق الخدمات المهنية يشهد تغيرا في طبيعة المنافسة، مع ارتفاع الطلب على الخبرات المتخصصة في الاندماجات والاستحواذات وإعادة الهيكلة وصفقات الأسهم الخاصة، الأمر الذي يمنح الشركاء أصحاب العلاقات القوية قدرة أكبر على التفاوض والحصول على تعويضات مرتفعة لدى المؤسسات المنافسة.
واستشهد سامر شقير بأفكار دانيال كانيمان في كتاب Thinking, Fast and Slow، موضحًا أن التركيز على المكاسب الفردية قصيرة الأجل قد يؤدي إلى تجاهل الآثار الجماعية طويلة الأجل، وهو ما يضعف المؤسسات التي لا تمتلك آليات فعالة لتوزيع الحوافز والمخاطر.
وفيما يتعلق بتخصيص رأس المال، دعا سامر شقير المستثمرين المؤسسيين إلى إعادة تقييم الشركات كثيفة رأس المال البشري، والتركيز على قدرتها على الاحتفاظ بالمواهب وتوزيع علاقات العملاء وعدم الاعتماد المفرط على ما يعرف بصانعي الإيرادات الرئيسيين.
ولفت إلى أن الفرص الاستثمارية قد تتجه نحو المؤسسات التي تستخدم الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا لتوحيد العمليات وتقليل الاعتماد على الأفراد، إلى جانب الشركات المنافسة القادرة على استقطاب الفرق المهنية وتقديم خدمات أكثر كفاءة.
وعلى صعيد الاقتصاد السعودي والخليجي، أكد أن تجربة ويل تقدم درسًا مهمًا في بناء مؤسسات الخدمات المهنية ضمن مستهدفات رؤية السعودية 2030، مشددًا على أن تطوير القدرات المحلية لا يتوقف عند جذب الكفاءات، بل يتطلب بناء حوكمة مؤسسية وهياكل تعويض طويلة الأجل تضمن استدامة الخبرات والعلاقات مع العملاء.
واختتم سامر شقير بالتأكيد على أن الميزة التنافسية الحقيقية في اقتصاد المعرفة لن تكون في امتلاك أفضل المواهب فقط، وإنما في تحويل الخبرات الفردية إلى قيمة مؤسسية مستدامة، مشيرًا إلى أن المستثمر الناجح يجب أن يقيم قدرة المؤسسة على البقاء متماسكة حتى عندما يقرر أبرز نجومها المغادرة.