الرأي العام
رئيس مجلس الإدارةد. تامر قبودانرئيس التحريرخالد طاحونمدير التحريريوسف قبودانرئيس مجلس الإدارةد. تامر قبودانرئيس التحريرخالد طاحونمدير التحريريوسف قبودان
تحرك برلماني.. هل تتحول مصر إلى مركز إقليمي لصناعات الاتصالات...محافظ القاهرة: ترميم مقبرة الخالدين لإنقاذ التراكيب التاريخية«الصحة» توضح أنواع الجيوب الأنفية وأسبابها وطرق الوقايةأطباء مصريون يطورون تقنية رائدة لفتح الشرايين التاجية المغلقة بالكاملانخفاض بدرجات الحرارة ورياح، الأرصاد الجوية تعلن حالة طقس اليومعاجل.. تعرف على موعد ليلة الإسراء والمعراج 2026صلاح يقتحم تاريخ الكبار.. يصعد للمركز الرابع في قائمة الأكثر...شعبة الدواجن: سعر الكتكوت والإقبال على الشراء من أسباب ارتفاع...عضو حقوق الإنسان: دولة التلاوة قوة ناعمة دينية تعيد بناء...النائب حازم الجندى: الجامعات المتخصصة ركيزة لتحويل التعليم إلى محرك...هاني سري الدين: نتائج الوفد في البرلمان لا تليق.. وهدفي...«عبلة الهواري» الأقرب.. من يترأس الجلسة الافتتاحية لـ مجلس النواب؟|...
مقالات

المستشار تامر قبودان يكتب: حقوق الإنسان سابقا.. وفنزويلا

المستشار تامر قبودان
المستشار تامر قبودان

منذ نهاية الحرب العالمية الثانية تبنّت الولايات المتحدة سياسة خارجية قائمة على فرض الإرادة بالقوة، ومارست أكثر من 70 تدخّلاً مباشراً أو غير مباشر لإسقاط حكومات أو تغيير أنظمة حكم وفق توثيقات جامعة هارفارد ومعهد واتسون للشئون الدولية، وشهد العالم نماذج مبكرة لهذه السياسة فى إيران عام 1953 عندما أُسقطت حكومة محمد مصدق المنتخبة بعد تأميم النفط، ثم فى جواتيمالا عام 1954 وتشيلى عام 1973، وغزو العراق عام 2003. وتشير البيانات إلى مقتل ما يزيد على 4.5 مليون شخص بشكل مباشر وغير مباشر، معظمهم من المدنيين فى العالم.

وقد لخّص المفكر الأمريكى نعوم تشومسكى هذا النهج بوضوح حين قال: «الولايات المتحدة هى الدولة الإرهابية الأولى فى العالم إذا ما قيس الإرهاب بحجم العنف الذى تمارسه خارج حدودها»، وهذه العبارة توصيف دقيق لعشرات التدخّلات التى أطاحت بحكومات منتخبة أو دمّرت دولاً بأكملها، ويعزّز هذا المعنى ما قاله المؤرخ الأمريكى هوارد زِن: «لا يمكن فهم تاريخ الولايات المتحدة دون الاعتراف بأنها أمة بُنيت على الحروب والتوسّع بالقوة وتجاهل حقوق الشعوب الأخرى».

تمتلك فنزويلا أكبر احتياطى نفطى فى العالم يتجاوز 303 مليارات برميل متقدّمة على السعودية وكندا، وفق بيانات منظمة أوبك لعام 2023، وهو رقم يفسّر لماذا الاستهداف الأمريكى؟ فالقضية لم تكن يوماً «ديمقراطية» أو «حقوق إنسان»، بل السيطرة على النفط الفنزويلى وضمّه إلى قبضة الهيمنة الأمريكية.

قبل العقوبات الأمريكية بلغ إنتاج فنزويلا أكثر من 3 ملايين برميل يومياً، لكن العقوبات التى فُرضت منذ عام 2017 أدّت إلى انهيار الاقتصاد وتراجع الإنتاج إلى أقل من مليون برميل يومياً فى بعض الفترات، وقد أقرّ مهندس السياسة الأمريكية فى الحرب الباردة جورج كينان بهذه الحقيقة الصادمة حين قال: «نحن نملك 50% من ثروات العالم، لكننا نملك فقط 6% من سكانه، وهذا الوضع سيفرض علينا استخدام القوة للحفاظ عليه»، هذه المقولة وحدها تكشف أن النفط هو قلب الصراع وجوهره عند الأمريكان.

فى عهد دونالد ترامب تخلّت الولايات المتحدة عن اللغة الدبلوماسية وأظهرت أهدافها الحقيقية بلا أقنعة أو مواربة، وهى: «النفط.. فرض الأمر الواقع بالقوة.. وسهولة الاستفزاز»، وهذا السلوك ينسجم تماماً مع ما قاله هنرى كيسنجر أحد أبرز منظّرى السياسة الخارجية الأمريكية: «الشرعية الدولية لا تعنى شيئاً إن تعارضت مع المصالح القومية الأمريكية»، وهى عبارة تختصر فلسفة كاملة فى إدارة العالم بمنطق القوة لا بمنطق القانون.

فى مقابل هذا النموذج الأمريكى القائم على البلطجة، يبرز الموقف المصرى، بوصفه نموذجاً تاريخياً لدولة رفضت الخضوع للإملاءات الخارجية، وحافظت على قرارها الوطنى المستقل، فمن تأميم قناة السويس عام 1956 وهو تحدٍّ مباشر لأكبر قوى العالم آنذاك وإسقاط للعدوان الثلاثى، إلى رفض الضغوط الأمريكية بشأن القرار الوطنى فى ملفات إقليمية كثيرة -رفض تهجير أهالى غزة «نموذجاً»- مع الحفاظ على توازن العلاقات دون التفريط فى السيادة الوطنية، وهو ما أكدته مصر بأن الاستقلال ليس شعاراً، بل ممارسة، وقد عبّر الرئيس الأمريكى الأسبق جيمى كارتر -بعد خروجه من السلطة- عن هذا التناقض، حين قال منتقداً السياسة الأمريكية: «الولايات المتحدة هى أكثر دولة تدخّلاً فى شئون الدول الأخرى فى العالم».

تنص المادة الثانية من ميثاق الأمم المتحدة على احترام سيادة الدول وعدم التدخّل فى شئونها الداخلية، لكن الواقع يكشف أن هذه المبادئ تُنتهك كلما تعارضت مع المصالح الأمريكية، وهو ما يفسّر كيف تحوّل «الفيتو الأمريكى» من أداة حماية للسلم الدولى إلى أداة لتعطيل العدالة، حيث استخدمت واشنطن حق النقض أكثر من 80 مرة، معظمها لحماية إسرائيل، أو لتغطية تدخّلات عسكرية.

واللافت أن أصدق توصيفات «البلطجة الأمريكية» لم تصدر عن خصوم واشنطن، بل عن مفكريها ومؤرخيها أنفسهم، فهذا مارتن لوثر كينج الابن يقول: «أمريكا هى أعنف دولة فى العالم اليوم»، فهو لا يطلق شعاراً، بل يدق ناقوس خطر أخلاقى وسياسى.

إن ما جرى فى فنزويلا ليس استثناءً، بل حلقة فى سلسلة طويلة من «البلطجة» غير مرتبطة بتغير الإدارات الأمريكية، إنما هى جوهر لسياسة واحدة عنوانها: النفط.. الهيمنة.. وفرض الإرادة، غير أن التاريخ لا يرحم الإمبراطوريات حين تتراكم جرائمها وتفقد شرعيتها فى العالم.

علاء عابد فنزويلا

مقالات