سامر شقير يكتب: التضخم العنيد يُعيد تسعير الأصول العالمية
لم تعد معركة البنوك المركزية ضد التضخم مجرد سباق لرفع أسعار الفائدة، بل أصبحت اختبارًا لقدرتها على منع تحول التضخم المرتفع إلى واقع اقتصادي دائم، وقرار بنك الاحتياطي الأسترالي رفع الفائدة إلى 4.85%، وهو أعلى مستوى منذ أواخر 2008، يكشف أن الضغوط السعرية لا تزال أكثر عنادًا مما تتوقعه الأسواق، ويعيد رسم حسابات المستثمرين بشأن تكلفة التمويل ومخاطر الأصول وتخصيص رأس المال خلال 2026.
أرى أن القرار، الذي صدر يوم الثلاثاء بأغلبية منقسمة بلغت 6 أصوات مقابل 3، يمثل نقطة تحول في دورة التشديد النقدي العالمية، فقد أكد المجلس استعداده لاتخاذ ما يراه ضروريًّا لإعادة التضخم إلى المستهدف بصورة مستدامة، والأهم أن الخطر لم يعد مقتصرًا على ارتفاع الأسعار، بل امتد إلى احتمال ترسخ توقعات التضخم عند مستويات أعلى من المستهدف، بعدما حذر البنك من أن شركات متزايدة قد تتعامل مع تضخم يتراوح بين 3% و3.5% باعتباره وضعًا طبيعيًّا جديدًا.
لماذا يواصل البنك الأسترالي التشديد؟
رفع البنك الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، في خامس زيادة خلال العام، بعدما أظهرت البيانات استمرار اتساع التضخم الأساسي وارتفاع توقعات التضخم بصورة ملموسة، وتعود الضغوط إلى أسعار الوقود والسلع المتأثرة بالصراع في الشرق الأوسط، إلى جانب قيود الطاقة الإنتاجية المحلية التي جاءت أشد من المتوقع، واستثمارات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي ساهمت في زيادة أسعار السلع التكنولوجية.
وفي تقديري، تجعل هذه العوامل العودة إلى النطاق المستهدف بين 2% و3% أكثر صعوبة، مع توقعات ببقاء التضخم فوق 3% خلال العام المقبل، وعدم وصوله إلى الحد الأعلى من النطاق إلا في أواخر 2027.
وتكشف الحالة الأسترالية هشاشة التوازن بين استقرار الأسعار والتوظيف، خصوصًا مع ضعف الإنتاجية وارتفاع البطالة وتباطؤ سوق الإسكان، بعدما تراجعت قيم المنازل في المدن الكبرى، ورغم أن هذه العوامل تمثل قنوات تقليدية لانتقال أثر السياسة النقدية، فإنها لم تنجح حتى الآن في تهدئة التضخم بصورة حاسمة.
وهنا تبرز أهمية ما تناوله دانيال كانيمان في كتاب «التفكير السريع والبطيء» بشأن تأثير التجارب الحديثة والمعلومات المتاحة بسهولة في تشكيل التوقعات، فقد تستمر الأسر والشركات في توقع التضخم المرتفع حتى بعد تراجع بعض الصدمات، وهو ما يتطلب من المستثمرين التمييز بين الضغوط المؤقتة والتحولات الهيكلية.
تداعيات على الأسواق وتخصيص رأس المال
يعيد القرار تأكيد تباين مسارات السياسة النقدية بين الاقتصادات المتقدمة؛ فبينما تتوقف بنوك مركزية أخرى أو تتردد في مواصلة التشديد، يرفع البنك الأسترالي الفائدة، بما قد يدعم الدولار الأسترالي على المدى القصير، لكنه يزيد الضغوط على الإسكان والاستهلاك التقديري.
أما البنوك الأسترالية، فتواجه معادلة مزدوجة تجمع بين تحسن هامش الفائدة الصافي ومخاطر تراجع جودة الائتمان مع تباطؤ النمو وارتفاع البطالة.
وأفضل أن تتجه المحافظ المؤسسية إلى الأصول عالية الجودة ذات التدفقات النقدية المستقرة، مع تقليص الانكشاف المفرط على القطاعات المعتمدة على الائتمان الرخيص أو نمو الثروة العقارية، وفي المقابل، قد تستفيد شركات تصدير السلع الأساسية ذات الكفاءة التشغيلية العالية من ارتفاع أسعار الطاقة، بينما تظل الأسهم المحلية الحساسة للدورة الاقتصادية معرضة لمخاطر استمرار التضخم.
الفرص والمخاطر في السعودية والخليج
يمتد تأثير القرار إلى الأسواق الآسيوية والناشئة المرتبطة بأستراليا تجاريًّا، كما يرتبط بالاقتصادات الخليجية بصورة غير مباشرة عبر أسعار الطاقة العالمية والتوترات الجيوسياسية في الشرق الأوسط.
وأرى أن استمرار التضخم في الاقتصادات المتقدمة يعزز أهمية تنويع مصادر الدخل في السعودية، وتوجيه الاستثمارات نحو القطاعات غير النفطية ضمن رؤية 2030، وبناء محافظ أكثر مرونة تجاه تقلبات أسعار الفائدة العالمية، كما يمثل الاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي مجالًا واعدًا لتخصيص رأس المال طويل الأجل، رغم مساهمة الاستثمارات التكنولوجية حاليًّا في بعض الضغوط السعرية، لما يمكن أن تحققه من مكاسب إنتاجية على المدى المتوسط.
وفي المقابل، فإن ترسخ توقعات التضخم عند مستويات 3% إلى 3.5% قد يطيل أمد التشديد النقدي، ويضغط على النمو وتقييمات الأصول، لذلك قد تبرز فرص في أدوات الدخل الثابت عالية الجودة والشركات القادرة على تمرير التكاليف إلى المستهلكين.
السيناريوهات المقبلة
من المرجح أن يركز المستثمرون على بيانات التضخم الأساسي وسوق العمل والإسكان، مع احتمال توقف البنك في اجتماعه المقبل لتقييم أثر الزيادات السابقة، رغم استمرار المخاطر الصعودية، وأرى أن سيناريو التشديد الإضافي المحدود يظل واردًا على المدى القصير، قبل احتمال ظهور تباطؤ أوضح في 2027 مع تراكم آثار السياسة النقدية.
ويكتسب هنا مبدأ هامش الأمان الذي طرحه بنجامين غراهام في كتاب «المستثمر الذكي» أهمية إضافية؛ فلم يعد كافيًا تقييم الوضع المالي للشركات فقط، بل يجب قياس قدرتها على الحفاظ على هوامش الربح في ظل ارتفاع تكاليف التمويل وتقلب توقعات التضخم.
في النهاية، أرى أن قرار أستراليا يوجه رسالة واضحة للمستثمرين: المرحلة المقبلة تتطلب رأسمالًا أكثر مرونة، واستثمارات تدعم الإنتاجية، وانضباطًا في تقييم المخاطر، وبالنسبة للسعودية والخليج، فإن مواصلة التنويع وبناء قدرات تنافسية في القطاعات غير النفطية تمثلان الطريق لتعزيز الصمود أمام التحولات النقدية العالمية.

































